• ×

04:00 صباحًا , الجمعة 16 ربيع الثاني 1441 / 13 ديسمبر 2019

صالح الشيحي

الــخــراطــون

بواسطة: صالح الشيحي

 0 تعليقات

 0 إهداءات

 10.3K زيارات

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط


" الخراااطون "

يصادفك جارك وقبل أن يسلم عليك يبادرك برأيه حول الموقف التركي من عملية السلام!
يخيل إليك أنك واقف مع «تورجوت أوزال»!
تسأله عن حاله وأحواله، فيأخذك للحديث عن سعادته بالإطاحة بزين العابدين بن علي.. على النقيض من جدتك العجوز، التي تمتلك وجهة نظر مختلفة عن تنحي حسني مبارك، فهو برأيها لم يتنح؛ بل تمت تنحيته بالقوة! أنت تعرف أن الحديث سهل.. لكنك تكتشف أنه سهل جدا عندما يكون مداره حول السياسة.. السياسة فقط.. فالكل يعدل جلسته.. الكل يحلل.. الكل يقيم.. الكل ينتقد.. والكل (يغالط)!
شيئا فشيئا تندمج في الفكرة، تعجبك.. تنساب عبر عقلك.. تسرق لبك.. تحترفها.. وتبدأ بـ(الخرط)!
تحاول أن تحتك بأكبر قدر من (الخراطين) العرب!
تكتشف -بالبراهين والأدلة- أنه لا شيء أسهل من السياسة في الوطن العربي.. سوى الحديث عن السياسة!
تقودك الصدف السيئة لارتياد أحد المقاهي المشهورة الذي يفد إليه كثيرون عندما يحل المساء في هذه المدينة..
تفاجأ بأن النادل يستطيع أن يبرهن لك أن «الروس» يخشون «بن لادن» أكثر من خشيتهم الأميركان.. يخيّل إليك أنك تتحدث مع عميد السلك الدبلوماسي في موسكو أيام الحرب الباردة!
يثير استغرابك أن محاسب المقهى يمتلك الأدلة الكافية على إصابة العقيد معمر القذافي بالشيزوفرينيا!
يلفت انتباهك أن هذه المقاهي توفر كل ما يطلبه «المتحدثون!»
تزداد الطمأنينة في نفسك.. فهي تؤمن لهم الحرية التامة للحديث دون خوف.. فالجميع مشغولون بالحديث.. تركب الموجة بقوة.. على الأقل لست وحدك من يعشق ركوب الموجة في الوطن العربي!
تزداد مواهبك.. تحترف التحليل السياسي.. تتحول إلى محلل سياسي من طراز نادر ورفيع!
مع الأيام تكتشف أنه لا أحد يستمع إليك؛ فحبالك الصوتية ليست طويلة بالقدر الكافي.. تهبط بشكل تدريجي إلى خانة المستمعين.. تستمع أكثر مما تتحدث.. تستمع أكثر مما ينبغي.. تستمع فوق طاقتك.. ينساب إليك الملل.. تبدأ بالتضجر.. يصيبك الصداع.. وتمقت هذه الأحاديث!
تهرب نحو التلفزيون تكتشف أنه حتى قنوات الغناء والكوميديا تحولت للحديث عن السياسة خلال عام 2011!
تدير المذياع تجد أن الدنيا تنام وتستيقظ على السياسة..
تعود إلى وعيك شيئا فشيئا.. وتقرر أن تبتعد عن هذا الجو الملتهب!
تعتزل الحياة العامة.. تقرر السفر.. تستقل سيارة تاكسي.. تتجه نحو المطار.. تلتفت يسارك.. تفاجأ أن السائق هذه المرة هو عميد السلك الدبلوماسي في فرنسا!
يبدأ بالحديث عن خلفيات العنف في الجزائر مطلع التسعينيات.. يحدثك عن الثورة المسلحة.. يحدثك عن الاغتيالات.. عن (جبهة) التحرير الوطني.. عن (جبهة) الإنقاذ.. عن (جبهة) القوى الاشتراكية..
تحاول أن تقاوم شهوة «الخرط» ولا تستطيع..
تعاود «الخرط» من جديد!


بقـلم /
صالح الشيحي
جريدة الوطن